نخبة من الأكاديميين
136
موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب
عكس هذه المقولة ، منها أن الخليفة الموحدي يوسف بن عبد المؤمن ( 558 - 581 ه - / 1162 - 1184 م ) ردّ إلى القنصل الممثل لتجار مدينة بيزة الإيطالية كل الأسرى الذين احتجزوا بعد كارثة بحرية وقعت في سواحل المغرب العربي سنة 562 ه - / 1167 م . كما عقد معهم معاهدة تجارية . وفي نفس السنة عقد أيضا معاهدة تجارية وسلمية مع تجار جنوة ، هذا بالإضافة إلى قرائن أخرى يذكرها هذا الباحث تفند مزاعم الاضطهاد الموحدي « 1 » . وتنهض الرسالة التي بعثها رئيس أساقفة بيزة الإيطالية سنة 578 ه - / 1182 م إلى الخليفة المذكور قرينة أخرى على سياسة التسامح التي نهجها الموحدون إذ تقول إحدى جمل هذه الرسالة : « إننا أصدقاؤكم ، ونود محالفتكم وصداقتكم قبل كل شيء » « 2 » . وإذا كانت هذه شهادة تتعلق بالخلفاء الموحدين الأوائل ، فكيف بالعهد الموحدي الأخير الذي عرف قمة التسامح كما تشهد بذلك رسالة أخرى بعث بها البابا إنوسانت الرابع تحدّث فيها عن الحرية التي نعمت بها الكنائس في عهد الخليفة الموحدي السعيد « 3 » ( 640 ه - / 646 م ) . وقبل ذلك في عهد الخليفة الرشيد كان البابا غريكوار التاسع قد بعث برسالة مؤرخة 27 ماي / أيار 1233 م يشكره فيها على ما أظهره من عطف وتكريم للأسقف ورجال الكنيسة في مراكش « 4 » . وثمة رسائل بابويه أخرى تصب في الاتجاه نفسه « 5 » . لكننا نجد في الوقت نفسه بعض الرسائل البابوية التي تندد بأعمال البطش التي قامت بها السلطة الموحدية ضد بعض المبشّرين النصارى إيطاليين وفرنسيين فإذا صحت هذه الأخبار التي لا تذكرها المصادر العربية ، فأقل ما يقال لرد هذه التهمة أن البابوات لم يتفهموا هذا الحدث في خلفيته الدفاعية ، إذ إن المنكّل بهم تجاوزا الخطوط الحمراء التي لا تسمح الشريعة الإسلامية بتجاوزها ، فتحولوا من مبشرين إلى محاربين للملة الإسلامية حيث ورد أنهم كانوا يسبون الرسول محمد ( ص ) علنا ، ويشتمون العقيدة الإسلامية والقرآن الكريم ، مما شكل تحديا صارخا للمشاعر الدينية للمغاربة ، وجعل هؤلاء المبشرين يضعون أنفسهم في عداد التيار " الإنتحاري " الذي يتحمّل كامل المسؤولية عما وقع . وحتى الكتابات الغربية المعاصرة تؤكد ذلك إذ إنها رغم تحيزها أحيانا فإنها تنحو باللائمة على هذا التيار المتطرف ، وتحمّله مسؤولية العواقب التي جناها « 6 » . ويمكن كذلك فهم هذه " الاضطهادات " إذا جاز تسميتها كذلك انطلاقا من بواعثها الدفاعية ، ومن خلال سرد بعض أمثلة عمليات الشغب والسطو التي قام بها بعض التجار المسيحيين . ففي رواية لابن عذاري « 7 » أن بعض التجار الإيطاليين ، من مدينة جنوه بالذات ، انطلقوا من الأحياء المخصصة لسكناهم بضاحية سبتة للقيام بعملية هجومية على المدينة سنة 634 ه - / 1224 م ، غير أن حاكمها أبا العباس اليانشتي كتب إلى جميع القبائل يستنفرها « فقتل النصارى في ذلك اليوم قتلًا ذريعاً ، وقطعوا تقطيعا . . . وانتهبت أموالهم في فنادقهم أي انتهاب ، والتهبت النار في سلعهم وسلاحهم كل التهام » . ولعل في هذا الحدث الذي تؤكده المصادر المسيحية ما يقوم دليلا على عدالة الموقف المغربي . ورغم ذلك فقد عوّضت السلطة الموحدية خسائر الإيطاليين عبر معاهدة سلمية ، مما يدل على حسن النية ، فضلا عن قمة النضج الديبلوماسي .
--> ( 1 ) GODARD : op , cit , p : 355 - 356 . ( 2 ) Ibid , p 356 . dans : bibliotheque de l ecole des Chartes 2 e serie TV , p 139 ; Pieces tirees des archives de Florence . ( 3 ) DUFOURCQ : op , cit , p 59 . ( 4 ) - خوسي اليماني : م ، س ، ص 38 - DE GENIVAL : op , cit ; p 38 - MASLATRIE : op , cit , pp 11 - 12 . ( 5 ) - خوسي اليماني ، م ، س ، ص 38 - 39 - MASLATRIE : op , cit . p : 10 . ( 6 ) - DE GENIVAL : op , cit , p 71 - 72 MENSAGE : op , cit , p : 15 - GODARD : op , cit . pp : 359 - 260 . ( 7 ) - البيان : القسم الموحدي ، م ، س ، ص 350 .